محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي
48
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
فتجد الأزرقي عندما يذكر بابا من أبواب المسجد الحرام ، أو أسطوانة من أساطينه مثلا ، يصفها ويمضي إلى غيرها . أما الفاكهي فيصف ما وصف الأزرقي ، لكنه يزيد عليه بأمور منها : أ ) يذكر أهم الحوادث التي صاحبت هذا الأمر الموصوف ، أو جرت عنده . فعندما ذكر أسطوانة من أساطين المسجد ، قال : وهذه التي كان يتعبّد عندها سفيان بن عيينة . وهذه التي كان يصلي إليها ابن جريج . وهذه التي صلّي عندها علي سفيان بن عيينة . وهكذا يمضي في إضافات ممتعة قد لا تجدها إلّا عنده . وقد ينشد الفاكهي ما قيل في ذلك الموضع الموصوف من شعر ، أو ما حدث عنده من طرائف الأخبار . ب ) اهتمامه الواسع في نقل وتسجيل ما رآه من كتابات على أبواب المسجد الحرام ، وأساطينه ، وما رآه في حجرة زمزم ، داخلها وخارجها ، وما رآه مكتوبا على المقام بغير اللغة العربية ، وغير ذلك كثير جدا ، وهذه ميزة هامة . ثم إن هذا النقل ، ظهرت عليه دلائل الأمانة والصدق ، والدقة في التسجيل ، يدلنا على ذلك ، مباشرة الفاكهي لهذه القضايا بنفسه ، دون الاعتماد على غيره ، قال بعد الأثر 145 : ( وشبرت أنا بيدي غير مرة الركن الأسود وذرعته ، فإذا هو في طول اثني عشر إصبعا بإصبعي ، وعرضه سبع أصابع ، وذرعته يوم الخميس ، قبل الزوال في المحرم سنة : 264 ه . وقد نقل لنا ما رآه على المقام ثم قال : ( وحكيته كما رأيته مخطوطا فيه ، ولم آل جهدي ) . ثم قال : ( فهذا الذي استبان لي من الخطوط ، وقد بقيت منه بقية لم تستبن لي فلم أكتبها ) « 1 » . ثم إن الفاكهي لم يقف عند هذا ، بل استعان بأهل الاختصاص في حل رموز ما وجده مكتوبا ، فأطلع عليه شيخه : ( أبا الحسن علي بن زيد الفرائضي ) وهذا الثاني ذهب بصورة الكتابة إلى مصر حيث يعرف رجلا عالما بمثل هذه الخطوط ، فترجم له عبارة ذلك الخط ، ونقل لنا الفاكهي هذه الترجمة بأمانة .
--> ( 1 ) أنظر ما بعد الأثر 1046 .